بغداد:
بغداد:
إنّ تاريخ بغداد باعتبارها قاعدة من القواعد الإسلامية، يسير جنبا لجنب مع قيام الدولة العباسية، سنة 132هـ وسقوطها.
كانت بغداد بعظمتها وهيبتها ومركزها العلمي والثقافي والعسكري، معقد آمال العرب والمسلمين، حتّى قيل إنّ "لم يرَ بغداد لم ير الدنيا".
ولهذا كان الفقهاء والعلماء والشعراء من جهة والتجار والباحثون عن الثروة والعمل من جهة أخرى يشدّون الرّحال جميعا إلى بغداد، ليستقرّوا فيها بقية حياتهم. أو ليتزوّدوا بالعلم والثقافة، وليعودوا إلى أوطانهم مجازين في التدريس أو الفقه أو الإفتاء.
وقد لعب الخلفاء ورجال الحكم دورا مهما في رفع حركة العلم والثقافة التي شهدتها المدينة. فكان الخليفة العباسي المأمون (198-218هـ/ 813_833م) يحفل مجلسه بالعلماء ورجال الدّين، ويناظرهم أحسن مناظرة، وأنصفها وأبعدها من مناظرة المتجبرين، وكانت هذه الحلقات تدوم يوما كاملا.
وجعل هارون الرشيد (170-193 هـ/ 786-809م) من بغداد كعبة رجال العلم والأدب. وكان من الطبيعي في مثل هذه الظروف المواتية، أن تزدهر مدينة بغداد وتنفق سوق العلم والمعارف بها، وتستقطب العلماء ورجال الثقافة من كافة الأصقاع، وقد برز العديد من العلماء الذين أثروا الحياة العلمية بالمدينة:
أ- في علم الحديث:
استقطبت المدينة الإمام الحربي البغدادي، المولود سنة 198هـ/ 814م، من أعلام المحدثين، أصله من مرو، اشتهر وتوفّي في بغداد سنة 285هـ/ 898م، كان حافظا للحديث عارفا بالفقه بصيرا بالأحكام، تفقّه على يد الإمام أحمد بن حنبل، وصنّف كتبا كثيرة منها "غريب الحديث" و "مناسك الحج" و "سجود القرآن" و "دلائل النبوّة".
الحافظ أبو بكر أحمد بن علي البغدادي، المعروف بالخطيب، المولود سنة 392هـ/ 1002م، صاحب كتاب "تاريخ بغداد"، كان من الحفاظ المتقنين والعلماء المتبحّرين، وكان فقيها، فغلب عليه الحديث والتاريخ. درّس الحديث بجامع المنصور ببغداد، وهو أشهر مراكز التعليم في المملكة الإسلامية وقتذاك. له 79 كتابا، منها "السّابق و اللّاحق" في تفسير القرآن. توفي الخطيب البغدادي سنة 463هـ/ 1071م، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته.
ب- في علم التفسير:
أنجبت بغداد عالما كبيرا، كان له كبير الأثر في إثراء الإنتاج النظري لهذا الحقل العلمي، بل كان عالما موسوعيا، كانت إسهاماته في شتّى العلوم الأخرى، وهو ابن الجوزي أبو الفرج، المولود سنة 508هـ/ 1114م، فقيه حنبلي، صنّف في فنون عديدة منها "زاد المسير في علم التفسير"، وله "الموضوعات" في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع.
ج- في علم النحو:
في هذا اللّون العلمي أنجبت واستقطبت بغداد أعلاما بارزين، أسهموا في تفعيل المشهد الثقافي والعلمي ببغداد الإسلامية، أبرزهم المبرّد، أبو العباس بن يزيد، ازداد سنة 210هـ/ 825م، من أهل البصرة وسكن بغداد، كان إماما في النحو واللغة، ألّف عدّة مصنّفات في النحو منها كتاب "الكامل"، وكتاب "الروضة" و "المقتضب"، وكتاب "معاني القرآن".
ومن أهل المغرب استقطبت بغداد عديد طلبة العلم من المغرب والأندلس تكوّنوا في مختلف العلوم وأشعّوا في بلاد المشرق أبرزهم:
· محمد بن عتيق التّميمي القيرواني، المولود سنة 420هـ/ 1029م، كان متكلّما عالم قراءات، درس بالقيروان على أبي عبد الله بن ياسين، من طلبة أبي بكر الباقلاّني، وسمع من ابن عبد البرّ، ثمّ رحل إلى مصر وقرأ بها على أبي العباس بن نفيس القراءات، وسمع من أبي عبد الله القضاعي، وقدم دمشق واشتغل بالتدريس، ومن تلامذته بها الشيخ نصر المصيصي، ثمّ دخل بغداد، حيث قرأ علم الكلام والقراءات بالمدرسة النظامية مدّة، ومن أبرز الذين درسوا عليه، أبي الكرم الشهرزوي، توفّي القيرواني ببغداد، سنة 512هـ/1118م.
· ابن دحية الكلبي، البلنسي الأصل، كانت ولادته سنة 544هـ/1149م، بأغمات من أعمال مراكش، ونشأ بسبتة، وولي القضاء ببرّ الأندلس بمدينة دانية، ثمّ رحل عنها إلى المشرق. وصفه ابن خلكان بأنّه كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوي وما يتعلّق به، عارفا بالنحو واللّغة وأيّام العرب.
خرج من بلاد المغرب، وحجّ ودخل بلاد العجم، وسمع بها صحيح مسلم، ثمّ عاد إلى بغداد، ورحل إلى الشام، وقدم حلب ودرّس موطّأ مالك بن أنس، ثمّ تردّد بعد ذلك مرارا إلى حلب، ونال حظوة بالديار المصرية عند حاكمها الملك الكامل. وكانت معظم الأشعار التي نظّمها ابن دحية في مدح الملوك ورجال الحكم والمناصب.
وفي ميدان التصوّف، كانت بغداد تعجّ بالمتصوفة والزهاد، الذين امتد أثرهم إلى أرجاء البلاد الإسلامية، وغدوا مرجعا في التصوّف، بل إنّ البعض منهم شكّل بمفرده مدرسة، كالجنيد أبو القاسم بن محمّد الخزار القواريري، ويدعى شيخ الطائفة، عاش زاهدا منصرفا عن أمور الدنيا وملذّاتها. ذكر ابن الجوزي، أنّ الشيخ الجنيد كان عشرين سنة لا يأكل إلاّ من الأسبوع إلى الأسبوع، ويصلّي كلّ يوم أربعمائة ركعة، صحب خاله الزاهد المشهور السّري السّقطي، المتوفي سنة 251هـ، والحارث المحاسبي وغيرهما، وكان يقول: "مذهبنا هذا مقيّد بالأصول والكتاب والسنّة".
كما لقيت الفلسفة رواجا بسبب تصدّي أعلام كبار للتأليف والترجمة في هذا الفنّ، وكان لها روّاد كثر أيضا من الطلبة المولعين بها.
ولقد لعب تشجيع الخلفاء ورجال الحكم الدّور الأكبر في الاشتغال بالفلسفة، فقد كان أبو جعفر المنصور يراسل ملوك ويسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة، فكانوا يبعثون إليه منها ما حضرهم، فاستجاد لها مهرة التراجمة، وكلّفهم أحكام ترجمتها. فيذكر أنّ تلك الكتب ترجمت له على غاية ما أمكن. ثمّ شجّع الناس على قراءتها. فكان يخلوا بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ومذاكرتهم.
العمارة الإسلامية: مظهر من مظاهر التواصل الثقافي:
كانت التأثيرات العمرانية والمعمارية المشرقية من بلاد الغرب الإسلامي واضحة، خاصة بالأندلس، فعبد الرحمن الداخل (ت172هـ)، حاول أن يجعل من عاصمته قرطبة، صورة من دمشق من حيث منازلها البيضاء ذات الأحواش الداخلية في أشجارها وحدائقها.
وكان يرسل رسلا إلى بلاد الشام خصّيصا لجلب أشجار النخيل والفاكهة وأشتال الأشجار المثمرة، مثل التّين والرمان والعنب، وهي أثمار معروفة إلى الآن في إسبانيا، وبالقرب من قرطبة، زرع الأمير عبد الرحمن، أوّل شجرة نخيل في الأندلس في حديقة قصره الذي بناه على نظام قصور أجداده في الشام، وقد بنى قصره خارج مدينة قرطبة على غرار القصور الأمويّة التي أنشأها هشام بن عبد الملك خارج دمشق بين تدمر ودمشق. ومن قصور عبد الرحمن، قصر الرصافة، وهو قصر صيفي شمالي غربي قرطبة، وهو شبيه برصافة جدّه، هشام، الذي بناه خارج دمشق سنة 110هـ. 728م. وقد أطلق عليها إسما آخر هو قصر الدمشق، الذي أحاطه عبد الرحمن بأشجار النّخيل والتين والرمّان، وهو المقرّ الذي اتّخذه لراحته وأفراده، وقلّد به قصور بني أميّة في المشرق، وكان يعرف أيضا باسم "منيّة الرصافة" أي قصر الرصافة.
أما المسجد الجامع في قرطبة، الذي أقامه عبد الرحمن الداخل، عام 169هـ/ 785م، فتظهر فيه أيضا المؤثرات الشامية الإسلامية في زخارفه المعمارية، ونظام سقفه وعقوده (البوائك). وكهذه العقود تزيد من ارتفاع السقف وتجعله ارتفاعا مناسبا مع اتساع المسجد. وكذلك نجد هذا التأثير في الممرّ الذي يصل المسجد بقصر الإمارة.
كما أنّ مئذنة مسجد قرطبة تماثل مآذن مساجد الشام، لاسيما مساجد دمشق والقدس. وكان الأمير عبد الرحمن قد استعان بالبنّائين والمهندسين الشامييّن في بناء قصوره ومساجده ومقصوراته.
وكان هذا التّشابه بين الفنّ المعماري بين الأندلس والشام وليد الوجود الشامي في الأندلس، ومحاولة من أمراء بني أميّة الأندلسيين التشبّه ببلادهم الأصلية. وهكذا طعّم عبد الرحمن الداخل حضارة الأندلس بالطابع الشامي، وإليه يرجع الفضل في غرس بذور نهضة علميّة زاهرة بقرطبة.
المؤثرات العمرانية المشرقية في تاهرت الرستمية:
استوعبت مدينة تاهرت التأثيرات الإسلامية المشرقية على المدينة، فالكثير من مساكن المدينة نسجت على منوال المساكن في العراق، بالإضافة إلى تزيين المساكن بخطوط الأقواس المقسّمة إلى فصوص، توحي بزينة المساكن الجميلة في سمراء.
إن التأثيرات الإسلامية القادمة من المشرق في جوانب العمران والبناء والنقش والزخرفة، تفنّد بعض آراء المدرسة الكولونيالية في التاريخ، خاصّة منها ما ذهب إليه "مارسيل مورسي"، MARCIER MARCEL من أنّ الإنشاءات المعمارية للمدن الإباضية في المغرب الأوسط خاضعة بالأساس للأسس القديمة الإفريقية والرومانية، من دون أن يقدّم دليلا واحدا على الاكتشافات الأثرية التي تدعم الطرح الذي قدّمه.