يعتبر قيام دولة الفرنجة حدثا بارزا في تاريخ الغزوات الجرمانية ،فإلحاق كلوفيس (486-511م) الهزيمة بسياجريوس في سواسون سنة 486م وعمله على مد نفوذ الفرنجة في الجهات الشمالية من غاليا يجعله المؤسس الحقيقي لدولة الفرنجة ،ولقد احتفظ الفرنجة بحسن العلاقات مع الإمبراطورية الرومانية  في معظم الحالات وهذا ما ساعد في التقريب بينهم وبين الأهالي،وما زاد في توثيق تلك الروابط اعتناق كلوفيس الديانة المسيحية على المذهب الاثناسيوسي وهو ما كان يترقبه رجال الكنيسة الكاثوليكية فكسب عطفهم وتأييدهم وبالتالي قيام نوع من التعاون والارتباط بين الفرنجة والرومان فظهر ملوك الفرنجة على أنهم حماة المسيحية وهو ما مهد لظهور تحالف بين البابوية وملوك الفرنجة.

-الدولة الكارولنجية:

كانت دولة تجمع بين الجانبين الديني والسياسي وهو ما يظهر خلال مرحلة قيام هذه الدولة حيث أقدم الملك الفرنجي بيبين الثالث (Pipin III) (741- 768)م الملقب بيبين القصير الذي خلف أباه شارل مارتل (Charles Martel) (تـ 741)م على إرسال طلب إلى البابا زكريا (741- 752)م يقضي بتنحية الملك الميروفرنجي شيلدريك الثالث (Childric III) وتعينه ملكا على الفرنجة.

ولإضفاء الشرعية على هذه الخطوة عقد نبلاء الفرنجة وبعض رجال الدين من بينهم القديس بونيفاس في مدينة سواسون تقرر فيها تعيين بيبين ملكا على الفرنجة، وبهذا انتهى حكم  الدولة الميرو فرنجية (486- 751)م وبدأ حكم الدولة الكارولنجية (751- 987)م.

واستمر بيبين القصير في الحكم حتى وفاته 768م فقسمت مملكته وفقا لتقاليد الفرنجة بين ولديه وشارلمان وكارلومان بنستريا وبقية أكوتين لكن بموت كارلومان بعد ثلاث سنوات أصبح شارلمان هو الملك الوحيد للدولة الكارولنجية وأتيحت له فرصة توحيد مملكة الفرنجة تحت سيادته.

-مملكة الفرنجة في عهد شارلمان: (768- 814)م

شارلمان:

 عرف شارلمان عند معاصريه باسم كارلوس أو كارل العظيم، وتردد في أناشيد التروبادور باسم شارلمان وعرفه الإنجليز باسم شارلمان، وأطلق عليه المؤرخون العرب المسلمون اسم (قالة) لكن أكثر أسمائه شهرة في التاريخ هو اسم شارلمان.

أما بالنسبة لمولده وطفولته فيشير انهارد إلى عدم توفر معلومات حولهما وبخصوص هذا الموضوع توجد عدة روايات متعلقة بزمان ومكان مولد شارلمان ترجح إحداها أنها كانت سنة 742م بمدينة اكس لاشابيل[5]، تميز شارلمان  ببنيته القوية وطول قامته، وحرصه المستمر على التدرب على ركوب الخيل والصيد كما حرص على ارتداء اللباس الفرنجي.

حروب شارلمان:

 اتسمت حروب شارلمان بالطابع الديني وتمكن من خلالها من القضاء على الدولة اللومباردية الأريوسية المذهب وضد السكسون الوثنيين ودولة الآفار الوثنية أيضا وتمكن من إدخال الديانة المسيحية إلى أقاليم الدانوب وهو ما اعتبر عملا دينيا يرضي البابوية ورجال الدين المسيحي وفي هذا الإطار تندرج حروب شارلمان ضد المسلمين في الأندلس وتأسيس بعض الثغور المسيحية كرد فعل مسيحي ضد التوسع الإسلامي بعد معركة بلاط الشهداء 732م

حروب شارلمان ضد اللومبارديين:

 استاءت أرملة كارلومان من إغفال حقوق ولديها في ملك أبيهما ففرت إلى بلاط ملك اللومبارديين دسدريوس في بافيا فطلب من البابا تتويج ابن كارلمان لكن طلبه قوبل بالرفض وهو ما دفعه إلى مهاجمة الأملاك والأراضي  البابوية مما دفع البابا ستيفن الثالث إلى طلب نجدة ملك الفرنجة شارلمان الذي قضى على ملك اللومبارديين ونجح في إخضاعهم نهائيا سنة 776م ولقب بـ "ملك الفرنجة واللومبارديين"

حروب شارلمان ضد السكسون:

 في خضم هجماته ضد السكسون تمكن شالمان من اخضاع البافاريين سنة 788م وعزل ملكهم وجعل بلاده دوقية تسير وفق نظم الإدارة الفرنجية كما أخضع عناصر السلاف الشماليين والجنوبيين، لكن من أعنف الحروب التي خاضها كانت ضد السكسون.

حيث قام شالمان بثماني عشرة حملة ضد السكسون حماية لحدوده من خطرهم، لكن أهدافه أصبحت ترمي إلى تحويلهم إلى المسيحية وإخضاعهم لحكمه خاصة أمام العناد الشديد الذي أظهروه تمسكهم القوي بعقائدهم وتقاليدهم ونظمهم والتي قابلها شارلمان بالأسر وفرض الغرامات المالية والإعدام وهو ما أفضى إلى تخريب بلادهم وتهدئة العلاقات مع الفرنجة، وما لبثوا أن اعتنقوا المسيحية خاصة أمام حرص شارلمان على تأسيس الأسقفيات في سكسونيا وإرسال البعثات التبشيرية إليها[.

علاقة شارلمان بالخلفاء العباسيين:

 تعود العلاقة بين الفرنجة والعباسيين إلى أيام الملك الفرنجي بيبين القصير (751- 768)م والخليفة العباسي المنصور (754- 775)م حيث كان هناك تبادل للسفارات الودية بين الطرفين، وسار شارلمان على سياسة والده وتبادل السفارات الودية مع هارون الرشيد (786- 809)م، ويرجح أن العلاقات الدبلوماسية لشارلمان مع هارون الرشيد كانت ترمي على تحقيق أهداف سياسية وتجارية أهمها:

-         تسهيل وصول زوار وحجاج وتجار الغرب الأوروبي إلى الأماكن المقدسة.

-         الضغط على البيزنطيين (أعداء العباسيين) ليعترفوا به إمبراطورا على الغرب.

وفي هذا الإطار بعث هارون الرشيد هدايا فاخرة إلى شارلمان من مواد وعطور ومنتوجات قيمة من البلاد الشرقية، كما بعث له فيلا مجهزا بأفخر جهاز.

المراجع

- اينهارد، سيرة شارلمان، ترجمة وتعليق: عادل زيتون، دار حسان للطباعة والنشر، دمشق، ط1، 1410ه/ 1989م


سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1972م،

-نور الدين حاطوم،تاريخ العصر الوسيط في أوروبة،دار الفكر ،دمشق،1982م

نعيم فرح ،الحضارة الأوروبية في العصور الوسطى،منشورات جامعة دمشق،سورية،ط2،- 2000م 

 عبد الأمير محمد أمين ومحمد توفيق حسين،التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى،مطبعة- جامعة بغداد،العراق،1980م.



 



Last modified: Saturday, 23 December 2023, 1:27 PM