العصاب عند الطفل و المراهق

تمهيد :

تختلف مظاهر العصاب عند الطفل عما هي عليه عند الراشد ولا تبدأ هذه المظاهر في اتخاذ الشكل أو الصورة التي نجدها بها عند الراشد إلا انطلاقا من المراحل المتأخرة من المراهقة (Adjuriaguerra, 1984)، فذلك راجع إلى تأثير المحيط والعلاقات التي يعيشها الطفل وكذا التغيرات والميزات المرتبطة بمختلف مراحل النمو. مما يجعل المختصين حاليا في علم النفس المرضي للطفل والمراهق يفضلون استعمال مصطلحات مثل تنظيمات عصابية أو مظاهر أو أعراض أو اضطرابات ذات مظهر عصابي للدلالة على الواقع الاكلينيكي لهذه الاضطرابات بالأخص عند الطفل.

اضطرابات الحصر Les troubles  anxieux:

تظهر على الأطفال  المصابون بالحصر المؤشرات التالية:

على المستوى الانفعالي :

احساس كبير بالخوف، بالقلق، بالضعف ، بالعجز، باليأس و كذا نقص في الاحساس بالأمن و الثقة بالنفس .

على المستوى الذهني:

يتميز الطفل أو المراهق المصاب باضطراب الحصر بانتباهه المفرط و استعداده لمواجهة الخطر ، بسلبيته، بتشاؤمه، و افكاره غير العقلانية عن الخطر، كما يمتاز أيضا باجتراره  للأفكار التي غالبا ما تحسسه بالتعب و الانهاك. 

 

على المستوى الجسدي:

يظهر على المصاب باضطراب الحصر احساس كبير بالضغط، بهيجان عام أو عكس هدوء غير عادي، وباستعماله لحركات الحماية عندما يسمع صوتا او يرى شيئا يحسسه بالخطر.

كما يصاب أيضا بتزايد  في نبضات القلب، سرعة في التنفس و تعرق غير عادي.

على المستوى السلوك :

إن توقع الخطر يجعل سلوكات التجنب و الحيطة و الحذر تظهر كثيرا على الطفل الذي يرفض المغامرة في اللعب كما يطغى الخجل  على سلوكه.

حصر الانفصال L’anxiété de séparation :

يعاني الطفل المصاب بحصر الانفصال بخوف مفرط من الانفصال عن والديه أو عن الأشخاص الذي هو متعلق بهم، فلا يمكن تشخيص هذا الاضطراب إلا في حالة ما تكون أعراض مستمرة و حادة . كما يجب أن يأخذ بعين الاعتبار سن الطفل و مستوى نموه.

المخاوف  (السلوكات الرهابية): les conduites phobiques

هو خوف غير مبرر من موضوع أو وضعية معينة تسبب حالة من القلق الشديد عند الاحتكاك بها.

يجب التمييز بين حالات الخوف (حتى ولو كانت شديدة) التي تميز بعض مراحل النمو (مثل قلق الشهر الثامن، حالات الخوف التي نجدها عند الأطفال عادة كالخوف من الظلام، الخوف من بعض الحيوانات،...)،  فالفوبيا أو المخاوف تتميز بشدة الهلع والقلق والمظاهر الجسدية المصاحبة لها (التعرق، ضعف على مستوى اللأطراف، الارتجاف، الشعور بالاختناق، الاغماء،...).

ينتج هذا الاضطراب حسب التحليل النفسي عن إزاحة القلق من التصور أو الموضوع الأصلي المكبوت وغير مقبول إلى تصور آخر بديل له يكتسي علاقة رمزية به، وبالتالي يستطيع الشخص تجنب هذا القلق من خلال تجنب الموضوع البديل الخارجي.

يوجد أنواع كثيرة من المخاوف فإضافة إلى المخاوف متعلقة بمواضيع خاصة هنالك أنواع أخرى من المخاوف.

المخاوف المدرسية la phobie scolaire :

تظهر أعراض المخاوف المدرسية من خلال خوف الطفل الكبير من المدرسة  الذي يجعله يتجنب بصفة مستمرة الذهاب إلى المدرسة، إذ يحس بخوف كبير و ضيق ، إذ تظهر على بعض الأطفال و المراهقين أعراضا نفسية جسمية كألام في البطن، غثيات ، قيئ ...إلخ. يمكن أن ترتبط المخاوف المرضية بقلق الانفصال،  بمشاكل أسرية أو مشاكل على مستوى المحيط المدرسي (احتقار، تحرش ).  

المخاوف الاجتماعية:

يمتاز هذا الاضطراب  حسب DSM-IV بخوف واضح و دائم  من أن يحكم عليهم بصفة سلبية، أو أن يقوموا بأعمال تضعهم في وضعية حرجة ، فذلك الخوف كثيرا ما يجعلهم يتصرفون بطريقة غير ملائمة.

إن الخوف  الأطفال و المراهقين غير العقلاني من الوضعيات الاجتماعية يجعلهم يتجنبونها و يحاولوا الاختفاء و عدم جلب الأنظار، فذلك ما يجعلهم يظهرون بسلوكات  تجنب غريبة أما سلوكات التجنب التي يعتمدونها فتزيد بتعقيد الأمور.

السلوكات الوسواسية: les conduites obsessionnelles

تعتبر أفكار الوسواسية  أفكارا تحاصر الفرد وتسبب له القلق فلا يستطيع التخلص منها فكثيرا ما تصاحبها  طقوس أو سلوكات قهرية تخلق حالة من التوتر الداخلي التي لا تزول إلا عند القيام بها.

ترتبط هذه السلوكات في حالتها المرضية بتنظيم عصابي وسواسي الذي يعبر عن محاولة الفرد التعامل والتحكم في القلق الناتج عن النزوات وذلك باستعمال وسيلتي العزل (l’isolation) والإلغاء (l’annulation). (Bergeret ، 1980).

يلعب المحيط الأسري دورا أساسيا في استمرار هذه السلوكات وتحولها إلى عصاب وسواسي قهري.

السلوكات الهستيرية: les conduites hystériques

ليس من البديهي التمييز بين السلوكات المرتبطة عادة بالهستيريا والسلوكات التي قد تظهر عند الطفل في مراحل معينة من النمو (من 3 إلى 5-6 سنوات): كقيام الطفل بسلوكات "مسرحية" ليكون محط اهتمام وحب الآخرين،  و كذا رغبته في أن يعجب الآخرون به ويثنوا عليه باستمرار، أو كقيامه بنوبات بكاء وصراخ بهدف الحصول على ما يريد،... كما أنه لا يوجد ارتباط بين الحالات التي تظهر فيها هذه السلوكات بصورة مبالغ فيها في مرحلة الطفولة والهستيريا عند الرشد.

على العموم تظهر السلوكات الهستيرية من خلال مايلي:

سلوكات مسرحية و ميل كبير للإغراء.

كذب مرضي

حساسية مفرطة في المجال العلائقي خاصة فيما يتعلق بحكم الأخر و بملاحظاته، كما يظهر المصاب بهذا الاضطراب بحثا كبيرا عن التبعية الوجدانية.

تشوهات على مستوى مجالات معرفية كالادراك و الذاكرة.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأعراض التحولية (les conversions) قليلة جدا في مرحلة الطفولة وهي أيضا صعبة التحديد فغالبا ما يجد المختص صعوبات في التمييز بينها وبين أعراض الاضطرابات النفسية-الجسدية وتوهم المرض وكذا الأعراض التي تكون ناتجة عن تقليد أو تقمص الطفل لأحد أفراد الأسرة في سلوكه. (Ciccone 2011)

يعتبر العرض الهستيري تعبيرا رمزيا عن التصورات أو الهوامات اللاشعورية المكبوتة.



آخر تعديل: السبت، 3 فبراير 2024، 8:18 PM