الفصام في المراهقة :

يشكل الفصام في المراهقة  المظهر الأساسي للاضطرابات الذهانية في هذه المرحلة،  إذ يعرّف الفصام أساسا من خلال الاضطراب التفككي (تدهور في اللغة، التفكير والقدرات العقلية، الحركة)، الهذيان والهلاوس، اضطرابات انفعالية و عاطفية، هذا بالاضافة إلى اضطرابات أخرى كاضطرابات النوم والتغذية،...  إذ يصنفه DSM-IV إلى:

النمط الزوراني (البارانوييدي): (le type paranoïde)

يطغى في هذا النمط الهذيان والهلاوس والتي تنتظم حول مواضيع مثل الاضطهاد أو العظمة في حين أن الأعراض التفككية لا تكون ظاهرة بشدة.

النمط المشوش (غير المنظم): (le type désorganisé)

على عكس النمط السابق تكون الأعراض التفككية هي ما يميز هذا النمط، لكن هذا لا يعني الغياب التام للهذيان والهلاوس.

النمط الجامودي (التخشبي): (le type catatonique)

يتميز هذا النمط باضطرابات حركية متمثلة أساسا في الجمود الحركي (اتخاذ وضعيات معينة والبقاء عليها لساعات أو لأيام) أو بالهيجان الحركي. كما يمكن أن تصاحب هذه الأعراض اضطرابات في اللغة مثل الخرس أو الترديد الصدوي والمستمر لبعض الأصوات أو الكلمات.

النمط غير مميز: (le type indifférencié)

تظهر فيه أعراض الفصام باستثناء أعراض الأنماط السابقة.

النمط المتبقي: (le type résiduel)

يتميز بظهور أعراض الفصام على الأقل مرة واحدة في تاريخ الحالة حتى ولو لم تكن  تظهر أنيا  كل الأعراض على الحالة أي أثناء القيام بالتشخيص.

يرجع بعض المختصين الذهانات إلى عوامل بيولوجية متمثلة في خلل وظيفي دماغي راجع إلى الوراثة في حين أن البعض الآخر يركز على أهمية العوامل النفسية والاجتماعية، فالنظرية النسقية حاولت تفسير كيفية ظهور هذا الاضطراب انطلاقا من عملية التواصل في المحيط الأسري وتحديدا من اضطراب هذه العملية بين الطفل والأم التي تتبنى نمط تواصل يميزه الرابطة المزدوجة (la double contrainte).

أما نظرية التحليل النفسي فترى أن هذا الاضطراب مرتبط بتثبيت في المرحلة الفمية (وتحديدا بالمرحلة الزورانية الفصامية حسب "كلاين") مما يفسر الأعراض المرتبطة به في علاقتها بخصائص هذه المرحلة من النمو والتي تتمثل في:

طبيعة العلاقة الالتحامية (الانصهارية) التي تميز هذه المرحلة هي التي تظهر في حالة الذهانات في شكل اللاتمايز بين العالم الداخلي و العالم الخارجي مما يفسر انقطاع العلاقة مع العالم الخارجي وظهور الهذيان والهلوسات.

القلق الذي يميز هذه المرحلة (قلق التجزئة) يظهر في مواضيع الهذيان والهلوسات التي نجدها في الذهانات: هذيان الاضطهاد، هذيان تحولات جسدية،...

استعمال وسائل دفاعية بدائية مثل: الانشطار، النفي، الاسقاط.

 

اضطرابات المزاج:

سنتعرض فيما يلي إلى اضطرابات المزاج التي كثيرا ما ترتبط بتنظيمات ذهانية غير أنه يجب التفريق بين أعراض هذا الاظطراب و بين التقلبات المزاجية التي يمكن أن تظهر كحالة عابرة في الطفولة أو إلى  خصوصيات مرحلة المراهقة  كفترة الحداد  المرتبطة بالتنظيمات الاكتئابية  يمر بها المراهق (Emmanuelli ، َazoulay ، 2009 )

اضطراب الاكتئابي (أو الانهياري):

قليلا ما يتخذ الاكتئاب عند الطفل نفس المظاهر التي يكون عليها عند الراشد والمتمثلة أساسا في الحزن، المزاج الانهياري، الاحساس بالذنب، الاحساس بعدم قيمة الذات، القلق والحصر، ففي معظم الأحيان تظهر عند الطفل أعراض أو اضطرابات التي تعكس لنا بصورة غير مباشرة حالة الاكتئاب والمعاناة التي يعيشها، نذكر من بين أهم هذه المظاهر ما يلي:

العُزلة: الانعزال وتدهور أو انعدام العلاقات مع العالم الخارجي.

الكف: (l’inhibition) سواء على مستوى النشاط العقلي (الفكري) من خلال مظاهر كعدم القدرة على التركيز، تراجع في الأداء الفكري للطفل،... أو على المستوى العاطفي أو الحركي. 

اضطرابات وظيفية: كاضطرابات النوم والأكل، شكاوي مرضية، التبول اللاإرادي،....

تغير في نشاطات وأداء الطفل وفقدانه الحيوية والنشاط:  إذ يظهر ذلك من خلال تراجع في النتائج الدراسية، الاحساس بالتعب حتى مع عدم قيام الطفل بأي نشاط،  و كذا عدم رغبة الطفل في القيام بالنشاطات التي كان يقوم بها سابقا.

احساس الطفل بالفراغ والضيق والملل وبكثرة الانشغالات (الفكرية) والهموم وكذا الاحساس بالذنب والبحث عن معاقبة الذات، فهذه الاخيرة تتخذ عدة أشكال فمثلا البحث باستمرار عن القيام بالمخاطر قد يرتبط برغبة لاشعورية في معاقبة الذات.

وعلى عكس الراشد لا يعبّر الطفل في غالب الأحيان بشكل مباشر عن هذا الألم النفسي الذي يعاني منه.

قد نجد أيضا مظاهر أخرى مثل فرط النشاط والحركة، كثرة نوبات الغضب، سلوكات عدوانية موجة نحو الغير أو نحو الذات، سلوكات منحرفة كالسرقة والتي تعتبر من الناحية النفسية الديناميكية محاولات للدفاع ضد حالة الاكتئاب التي يعاني منها الطفل.

تجدر الاشارة أن هذه المظاهر قد تكون ناتجة عن ظروف معينة يعيشها الطفل (فقدان أحد الوالدين أو أفراد الاسرة الذي كان له مكانة نفسية خاصة عند الطفل، انفصال الوالدين، ...)

لا نستطيع تشخيص الاكتئاب من خلال وجود هذه الأعراض فقط لكن شدتها واستمرارها هو الذي يجعلها مرتبطة به ولذلك يجب التمييز بين الحالة التي تلي فقدان الطفل للموضوع وحالات الاكتئاب.

اضطراب ثنائي القطب:troubles maniaquo-depressif

نادرا ما نجد اضطراب المزاج ثنائي القطب عند الطفل وتكون مظاهره في فترة المراهقة مشابهة لما هي عليه في الرشد ولكن أقل حدة منها.

يظهر اضطراب المزاجي ثنائي القطب من خلال جدول عيادي تطغى عليه تقلبات مزاجية من خلال تناوب بين فترة اكتئابية تتميز بوجدان كئيب، انطواء على الذات، فراغ فكري ، و بطئ على مستوى الأفكار. أما المرحلة الهوسية فتظهر من خلال مرحلة هيجات تتميز بفرط في الحركة و هيجان إضافة إلى افراط في الكلام ذال على هيجان فكري.

تتعدد النظريات والتفسيرات التي قدمها المختصون في محاولة فهم سببية الاضطرابات الاكتئابية:

النظرية المعرفية ترى أنّ منشأ هذا الاضطراب مرتبط بكيفية معالجة المعلومات (traitement de l’information) والتي تجعل الفرد يميل إلى تكوين معلومات سلبية ومتشائمة حول ذاته، العالم الخارجي والمستقبل.

تربط النظرية السلوكية ظهور هذا الاضطراب بقلة التجارب الايجابية والبناءة التي عاشها الفرد وعدم احساسه بالتقدير والأهمية والقيمة من طرف المحيط.

وفي التحليل النفسي نجد العديد من الدراسات  التي حاولت   إعطاء تفسير لهذه الاضطرابات، نذكر من بينها "ميلاني كلاين" التي ترى أن حالة الاكتئاب مرتبطة بالوضعية الإنهيارية (الاكتئابية) (la position dépressive).

بالإضافة إلى نجد نذكر أعمال "سبيتز" (Spitz) و"بولبي" (Bowlby) التي ساهمت كثيرا في فهم حالة الاكتئاب بالأخص عن الرضيع، وكذا "غرين" (Green) و"ستارن" (Stern):

بين كل من "سبيتز" و"بوبلي" نتائج الحرمان العاطفي وفقدان موضوع التعلق (الأم أو بديلها) على الرضيع والتي من شأنها أن تؤدي إلى حالة الاكتئاب.

يرى "غرين" و"ستارن" أن اكتئاب الأم هو الذي يلعب الدور الأساسي في ظهور بعض حالات الاكتئاب عند الطفل أو المراهق (وحتى الراشد) وذلك نتيجة لسيرورات التقمص الأولية لهذا الموضوع الأمومي.

الاكتئاب في مرحلة المراهقة له بعض الخصوصيات، فنتيجة لمميزات هذه المرحلة يصعب في كثير من الأحيان التمييز بين الحالات المرضية، أي التي تكون فعلا اضطراب اكتئاب، وحالات المزاج الانهياري التي تكثر في هذه الفترة.

 



Modifié le: samedi 3 février 2024, 20:20